Twelve Angry Men أو سينما من لا شيء

فنونمميزة
8 مارس 2020آخر تحديث : الأحد 8 مارس 2020 - 4:38 مساءً
Twelve Angry Men أو سينما من لا شيء
كتب: معتز حجاج

أتذكر الواقعة بتفاصيلها كأنها أمس. كنت في حلقة دراسة اللغة الإنجليزية، حلقة استماع، عرض المدرب فيلمًا، أخبرنا قبلها أن الفيلم يدور في غرفة واحدة، لذا اختاره لكثرة الحوار به. أعددت نفسي لجرعة ملل مكثفة. ما الذي يُنتظر من فيلم داخل غرفة؟ لا طائرات تسقط، وحوش ضارية تفتك ببعضها البعض؟ ثم أين سيناريوهات نهاية العالم، الزلازل، البراكين، الفضائيين؟ تلك الخلطة الهوليوودية الناجحة مع المراهق الذي كنته!

حينما انتهى عرض “Twelve Angry Men” توقف كل شيء عن الحركة، لم أسمع المدرب، زملائي، صخب النقاش حول تراكيب الجمل الإنجليزية، عن ماذا تتحدثون؟ انهيت الدرس بسرعة، وصلت البيت، ألقيت الكتب والمذكرات على طول ذراعي، وأدرت الفيلم على “اللاب توب”.

مد المخرج سيدني لوميت يديه في رأسي، مط عيني عن آخرهما. يومها أدركت أنه لصناعة فيلم ملهم، لا تحتاج إنفجار كبير على الشاشة، فقط 12 كرسي ومنضدة، ضع فوقها فكرتك وتولاها بالرعاية، ستصبح قنبلة تدوي في عقل المشاهد.

تدور أحداث الفيلم حول مراهق متهم بقتل والده، دلائل الجريمة مثبتة عليه، قضية سهلة لن تستغرق هيئة المحلفين المعزولة في غرفة وقتًا كي تفصل فيها. إلا أن واحد من بينهم يقرر قلب الأمر، القرار لابد أن يخرج بإجماع المحلفين الاثنى عشر. تمضي المفاوضات لإقناعه فينتهي الحال باقناعهم. لم أحرق لك الفيلم حتى الآن، لأن محور الحبكة هي الكيفية التي تم بها ذلك.

فن استخدام التفاصيل الناعمة

ولد الفن السابع في رحم عصر الرأسمالية، فارتبط بها وتغذى عليها بشكل لم يحدث مع جميع الفنون التي أبدعتها البشرية قبله. أنت تستطيع كتابة روايتك بنفسك، صنع آلتك الموسيقية وتعلم عزفها بيديك، دون الحاجة للوقوف أمام منتج يعطيك المال لتنجز عملك، وهذا العمل كان الأول لسيدني لوميت، من يجرؤ على المغامرة معه بالكثير. أعطوه  350 ألف دولار، وزع معظمها على الممثلين، من بينهم الممثل العالمي الشهير هنري فوندا، الذي قام -في ظني- بدور بياع “الأفيش”. 

MV5BNmIzZWI4NDQtN2VmOS00ZTFhLWEzM2ItMGViNDM4MjA2NGE5XkEyXkFqcGdeQXVyMjUxODE0MDY@ - الساعة الخامسة والعشرون

تبقى القليل أمام لوميت، لكنه صنع به تحفة فنية خالدة، رُشح الفيلم لـ 13 جائزة عالمية، نال 3 جوائز منها في السيناريو والتمثيل، وحُفظ في أرشيف مكتبة الكونجرس الأمريكي كأثر قومي. 

استخدم لوميت كل عنصر ظهر في الكادر، الكراسي، الورق الموضوع على المنضدة، المروحة المعلقة على الحائط، حتى النوافذ وصوت المطر خارج الحجرة. هل سمعت عن مخرج جعل عرق أبطاله يشارك في الفيلم؟ لقد استغله لوميت كي يشعرنا بمضي الوقت وضيق المكان. كما وظف الموسيقى ببراعة، خصوصًا النقلة من فصل لفصل في السيناريو، ليضاعف أثر الانتقال من مرحلة لمرحلة في نفس المتلقي، في فيلم يخلو من الحركة وتغيُر مواقع التصوير. 

صعوبة ما قام به المخرج تكمن في كشف تاريخ الشخصيات أمام المشاهد بأرفع التفاصيل. أخبرنا عن الخلفية الطبقية ومهنة كل شخصية من حركة الممثلين. الواقف هناك في زاوية الكادر معدوم الثقة، الجالس هنا مستهتر، هذه الشخبطة لشخص غير مكترث، تلك الحركة تخرج من نفس متشككة. 

لا يمكن نسيان دور الحوار والسيناريو بالطبع، الذي حصد على إثره المؤلف المسرحي ريجنالد روز جائزتي أفضل سيناريو مقتبس من نقابة الكتاب الأمريكيين، وجائزة إدغار لأفضل سيناريو سينمائي. لقد كان الحوار بطلًا، وهو أمر طبيعي من كاتب مسرح يقول كل شيء في الحوار. لكن الصعب في رأيي هو تنفيذ ذلك على شاشة سينما، خاصة من مخرج يهوى إقامة العقبات لنفسه.

يعتمد لوميت في معظم أعماله التي وصلت إلى 50 عملًا، على تقنية اللقطة الطويلة، فهو من روادها. وهي تقنية مجهدة، الكاميرا فيها تتحرك مع حركة الممثلين أو عكسها، ويكون للصورة بعدين، واحد في عمقها، في أقصى زاوية الصورة، وآخر في أقرب نقطة للكاميرا، أي أن الكاميرا ترقص فعليًا مع حركة الممثلين. ومن خلال قرب وبعد الممثل عن الكاميرا، يغزل لوميت فلسفته في حكي القصة، فيضع صاحب الموقف الضعيف بالمشهد في عمق الصورة، بينما يجعل المنتصر في المواجهة مع المشاهد. ولتحقيق غاية تمثيل القصة المكتوبة بصريًا بهذه التقنية، يضطر بعض المخرجين إلى رسم علامات للمثل يتحرك على أساسها، كي لا يتحول الأمر لفوضى، فيسصطدمون ببعضهم وبالكاميرا وعمال الإضاءة.

تلك محاولة مبسطة بالطبع لشرح فلسفة لوميت في إعادة حكي القصة بالصورة. أضف لهذا عدد الممثلين في الفيلم، المخرج يحرك 12 ممثل في لقطات معظمها طويل، ومعظمهم حاضرون بها، كل ذلك في غرفة صغيرة نسبيًا، لا يوجد غير خمس دقائق فقط من الفيلم خارجها.

لم نعرف الحقيقة لكن تعلمنا فضيلة الجدل

برع الجميع في أداء أدوارهم، إلا أن ثلاثة شخصيات هم من حملوا رسالة الفيلم على أكتافهم، أولهم لي جاي كوب، الذي أنهى الفيلم بخطبة تدفع الأدرينالين في شرايين دماغ المتفرج.

MV5BZDU4ZjA5NjYtZTdmMS00MzUyLWExYzUtMWZkZWI2YzM1YTYwXkEyXkFqcGdeQXVyODg0NjI5NjY@ - الساعة الخامسة والعشرون
جاي كوب

ومدير الجلسة الحيادي الذي قام بدوره جاك واردن، والذي نتمنى انتشار أمثاله في مجتمعاتنا.

MV5BZTRlNWEzMGItZmNhOS00Y2QyLWFhMzUtMjNiZGE3YmNkOWQ5XkEyXkFqcGdeQXVyMjMyNTkxNzY@ - الساعة الخامسة والعشرون
جاك واردن

والمستهتر، الذي يسهُل عليه إرسال مراهق إلى الإعدام فوق كرسي كهربائي، كي يلحق بمباراة فريق البيسبول المفضل لديه، الذي جسده مارتن بلسم. والمنحاز، مسقط تجاربه الشخصية على أمور ليست لها صلة بما مر به، الذي أداه باقتدار المبدع لي جاي. 

MV5BYzcwOGI3OGMtNDViMS00MWZkLTgxYzItMGZlNjlhYmE1ZTNkXkEyXkFqcGdeQXVyMjMyNTkxNzY@ - الساعة الخامسة والعشرون
مارتن بلسم

أكثر ما أعجبني في الفيلم إخفاء أسماء الشخصيات عنا، كُشف فقط عن اثنين، هما الذين اتخذا زمام الدفاع عن المتهم أمام باقي المحلفين، رغم التسفيه منهما، وكأنما يريد لوميت تخليد ذكرهما. وفي إخفاء أسماء الشخصيات تجريد جعل الشخصيات تنسحب على عدد كبير من البشر في أي بقعة من العالم، وأي زمان.

أما ما حفر رسالة الفيلم عميقًا، إخفاء الحقيقة. قرار المحلفين براءة المتهم بُنيت على الشك المنطقي في شهادة الشهود وترتيب الوقائع، وليس من خلال كشف حقيقة القاتل. لذا ستنتهي من الفيلم لا تعلم من القاتل فعلًا، ولكن ستتعلم فضيلة الجدل.

640x a7c6be2abfa2340b9a36bfd74cb275b633184206cb424605326a11787c345e2b  - الساعة الخامسة والعشرون
مشهد من الفيلم المصري بين السما والأرض

بعد ثلاث سنوات فقط من عرض فيلم “Twelve Angry Men” عُرض فيلم مصري بعنوان “بين السما والأرض“، سيناريو نجيب محفوظ، وحوار السيد بدير، وإخراج صلاح أبو سيف، رائد الواقعية في السينما المصرية. تدور أحداث الفيلم حول جماعة من الناس علقوا داخل مصعد. كان ذلك في وقتٍ مضى، زمن بعيد كنا نتعلم من صناع سينما عالمين ونبتكر، حتى ولو كان التعلم من فيلم استثنائي، صُنع من لا شيء.

اقرأ أيضًا:

محمد عمران .. فن الرسم بالصوت

7 أفلام أنمي ليست للصغار فقط

قبل الكورونا .. 7 أفلام تنبأوا بالوباء

كلمات دليلية
رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة