محمد عمران.. فن الرسم بالصوت

فنونمميزة
8 مارس 2020آخر تحديث : الأحد 8 مارس 2020 - 4:19 مساءً
محمد عمران.. فن الرسم بالصوت
كتب: معتز حجاج


راوغني النوم ذات ليلة، قبل سنوات في منزل من منازل الطلبة، خرجت إلى الشرفة، استندت على سورها، وبحثت عن ونس على موقع الوسائط المسموعة “ساوند كلاود”. وجدته؛ تسجيل بعنوان “
الليل أقبل والوجود سكون” للشيخ محمد عمران، ضغطت زر التشغيل وتركته يقول.

جرائم لم يحاكم عليها عمران

كان الموسيقار المصري محمد عبد الوهاب قد خرج توًا من أزمةٍ صحية شديدة، لكن بروح هاوي الألعاب الخطيرة تجاهل تحذير الأطباء، واستضاف في منزله عازف الكمان العالمى عبده داغر وبصحبته بيتهوفن السماء؛ الشيخ محمد عمران.

عبد الوهاب تربية مشايخ أيضًا، وابن موالد صميم، لذا أدرك منذ البدء عظم ما هو مقبلٌ عليه. فاستبق الشيخ أثناء تقسيم عبده داغر على أوتار الكمنجة “الله الله .. على مهلك يا شيخ”. لكن عمران إذا ما أخليت له ساحة الغناء فعليك الخضوع لقوانينه.

وقعت المذبحة؛ عمران ينشد “يا سيد الكونين” و”ناجاك قلبي“، وعبد الوهاب لا يكف عن العويل، أراه ممسكًا بقلبه وهو يقول “يا ساتر يا ساتر .. يا جبار يا جبار .. الله يا حبيبي”، وعمران غير عابئ لتوسلات الرجل الهرم.

بلغ عبد الوهاب “النيرفانا”، تستشعر جفاف حلقه، ضعف حاله في جملته “وبعدين معاك بقى .. أنا لسه عيان .. حرام كده!”. وعمران لا يرحم، هناك جرائم لا يعاقب عليها القانون، جريمة الطرب.

صحيفة عمران الطربية

رآني زميل السكن تلك الليلة، وهو “سميع” قديم فشل في احتراف آلة العود، ففتح أذنه لكل لحن شجي. هاله شرودي، فسألني عما أسمع:

– الشيخ عمران

– يا مزاجك

نظر إلى المقطع الذي استمع له، تغير لونه وارتبك “الليل أقبل .. لا انت لسه مسمعتش”.

في مقالٍ له على موقع “العربي الجديد” ذكر الشاعر التونسي وليد التليلي “أذكر جيّداً انفعال الفنان المبتهل القدير لطفي بوشناق في سيارته خلال الاستماع لفنّ محمد عمران، حيث كان يضرب بكلتا يديه على المقود وهو يستمع إلى حركات عمران، كان يبكي بصمت خلال استماعه للشيخ عمران بين الاستمتاع والاستغراب مما تطرب له الآذان، حتى قلقنا من انحراف السيارة عن مسارها”. لطف الله انقذ التليلي وبوشناق، لكن وقائع الشيخ لا تنتهي.

حكايات مجاذيب مولانا

سُئل محمد عمران في لقاءٍ نادرٍ له عما يحب سماعه. بعفوية طفولية محببة للنفس ذكر قائمة طويلة، من بينهم الموسيقار الروسي الكلاسيكي “خاتشادوريان”، والألماني المعروف “بيتهوفن”. دهش المذيع، شيخ وبيتهوفن! ارتسمت على شفتي مولانا ابتسامة، وبتواضع بالغ قال “أنا راجل بخبرة كده بحب المزيكا”.

بجانب الخبرة؛ درس عمران في معهد المكفوفين للموسيقى، بخلاف ثقافة موسيقية عالية اكتسبها من طول بقائه بجوار عظماء الكلمة والنغم. يلفحك وهجها من خلال افتتاحيات انشاده الغريبة على الأذن الشرقية، والتي يمارسها بحب حقيقي للمغامرة والتجديد. فيحاول رفع الآذان على مقام “الهزام“، فرع من فروع “السيكا”، الذي غنى عليه صباح فخري موشح “يا غصن نقا“، واطربت عليه أم كلثوم رائعتها “سيرة الحب“. اختبار صعب، لكن قاموس عمران يخلو من تلك الصفة، ويفعلها.

أصبح عمران رفيق تنقلاتي، ينتشلني من زحام المواصلات والطرق، من هموم الهائمين في شوارع مصر، وتجهم المقهورين. أجلس في العربة، ألقي برأسي على نافذتها، أضع السماعات في أذني، واشغل سورة يوسف بصوته، فأغيب عما يدور حولي.

يقرأ آية “وجاءوا أباهم عشاءً يبكون” بنغمة حزينة، لكن تشعر أنها ليست حزينة بما يكفي، هناك شيء غامض بها، ترى إخوة يوسف يتفحصون بعضهم أمام سيدنا يعقوب، ينتظرون وقع كلامهم على الأب الملتاع على فقد صغيره. لنكتشف بعد دقائق من التكرار المنغم الحزن الصادق في رد يعقوب “قال بل سولت لكم أنفسكم أمرًا فصبرًا جميل”.

ابن الصعيد؛ المنطقة التي خلقت من العويل في المآتم فن “التحزين“، يستطيع أن يفرق بصوته بين حزنين. يعتصر قلبك بالوجع الصادق، ويظهر لك الحزن المخادع، حزن المجاملات الاجتماعية الإجبارية في المناسبات الحزينة.

أتمايل معه متمتمًا “جميل يا سيدنا جميل”، انتبه للجالس بجواري، يملأ وجهه نظرة رعب “آه انت من بتوع ربنا”، اعتدل، أعود لوقاري، وأقطع على نفسي عهد بألا استسلم لصوته مرة أخرى في الشارع، وأخون عهدي ألف مرة. أدير مقطع “يا من هواه” بعدها بثواني، وأجلد ضميري بإعادة أبيات “عاهدتني ألا تميل عن الهوى.. وحلفت لي يا غصن ألا تنثني”.

معارك عمران الارتجالية

يدخل عمران مبارزاته الارتجالية كفارس من العصور الوسطى. تجول أحباله الصوتية بين المستمعين. يرسم أمام أعينهم لخصمه خطوطًا فاصلة، يعيده لرشده، وكأنه يقول، كل من دخلت معهم في مبارزات صوتية قبلي كانوا ألعاب فيديو، أنت الآن في مرحلة الوحش، وحش حقيقي.

جميع من اصطدم مع عمران في ارتجال أقر بعذوبة صوته وقوته، وصدق إحساسه. نصر الدين طوبار وهو من هو، يتراجع بعد دقائق من غناء مولانا، حينما وصل عمران إلا مرحلة ما وراء الطبيعة قائلًا “لا يا حبيبي أنا مش قدك”. في حضرة عمران أكثر الأصوات عنفوانًا تتخذ مجالس المستمعين، كتلاميذ مهذبة استشعرت غضب الأستاذ.

سقوط فارس في معركة يخسرها الجميع

انهالت مضاعفات مرض السكر على الشيخ عمران، فسقط صغيرًا نسبيًا. ويذكر الكاتب الساخر محمود السعدني في كتابه “ألحان السماء“، أنه تعجب من عدم ذكر الخبر في أي وسيلة إخبارية حينها. حتى فيما يطلقون عليه الزمن الجميل، مبدعون كثر لم يحصلوا على تقدير يساوي قدر موهبتهم.

الأكثر غرابة –كما يذكر السعدني- أن الصوت الذي صار مرجعًا للإعجاز الموسيقي لدى أهم المطربين والملحنين، من بينهم أم كلثوم وعبد الوهاب شخصيًا، هذه الحنجرة المغزولة من فصاحة اللسان، والقدرة الجبارة على التلوين الموسيقي، والخروج من اللحن ثم الرجوع له بسلاسة وسلام، هذا الصوت أعتُمد فقط كمنشد طوال مسيرته الإذاعية، أما جواب اعتماده مقرئًا لم يصله إلا بعد وفاته بأيام.

لكن آذان مريدينه كانت قد اعتمدته منذ زمن بيتهوفن السماء، رغم أنه على كل ما قاله لم يكن قد قال شيئًا بعد.

اقرأ أيضًا:

7 أفلام أنمي ليست للصغار فقط

10 أفلام لا تشاهدها بمفردك

أفضل 5 أفلام جريمة جديدة

كلمات دليلية
رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة