رأفت الميهي .. زعيم الحياة الطبيعية؟

فنونمميزة
8 مارس 2020آخر تحديث : الأحد 8 مارس 2020 - 5:08 مساءً
رأفت الميهي .. زعيم الحياة الطبيعية؟
كتب: معتز حجاج

مررت أمام التلفزيون منذ أيام لأجد فيلم “الأفوكاتو” في منتصفه، حتى وإن كانت الدقيقة الأخيرة سأجلس بهدوء رهبان التبت لأشاهد فيلم طفولتي المفضل. أنجذب له تمامًا حينما أصادفه يعرض على الشاشة، أحيانًا اقتنص منه لقطات سريعة عبر اليوتيوب، أثناء أوقات فراغي من دوامات الحياة. 

لفترة طويلة كنت أظنها النوستالجيا وحدها سبب ولعي بالفيلم، إلا أنني كلما خطوت درجة نحو سن الحكمة، كلما أدركت روعة العمل، وغناه بالدلالات والتفاصيل. 

صديق على صفحتي بموقع “فيسبوك” لفت إنتباهي مؤخرًا إلى الـ “التيشيرت” الذي ارتدته إسعاد يونس في زيارة الأسرة للمحامي في السجن، فقد رُسم عليه شعار مجلة “playboy” الشهيرة، إشارة من الميهي إلى الكبت الجنسي، التي كانت تعانيه وزوجها مع إيقاف التنفيذ -وربما الجيل بأكمله- طوال مدة الفيلم. أدركت مؤخرًا أن توغلي في الزمن ومسؤولياته -وليس العكس- هو محرك إيماني بفلسفة الميهي، أو نظرية حسن سبانخ الطبيعية، التي يذكرها للسجان في مونولوج عبقري.

الحياة مقرفة جدًا يا عبد الجبار، ولو رفضتها عشان مقرفة هتبقي مقرفة أكتر

– طب والحل؟

– الحل بسيط .. انك تعامل الحياة بقوانينها عشان تتمتع بجمالها يا عبد الجبار

– مش فاهم!

– المجتمعات المتخلفة يا عبد الجبار متعرفش حاجه اسمها العلم، وأى محاولة لتغيير حركتها بقوانين علمية تعتبر محاولة غير علمية في حد ذاتها..”.

عقود يوقعها الميهي مع جمهوره

يتفاعل الجمهور مع الدقائق الأولى في الفيلم، إما استمرار المشاهدة، أو الخروج سريعًا من صالة العرض لإشعال سيجارة. ليس كل مشاهد يوسف شاهين، عالم بزوايا الكاميرا، وجماليات الصورة، ويستطيع الصبر، ويغوى التأمل. الفيلم الفانتازي مهمته أصعب، المؤلف والمخرج هنا يؤسسان عالم موازي، مفارق للواقع تمامًا، فإذا لم يقتنع المتفرج تحولت كل حركة وصوت على الشاشة لافتعال يضرب أمعاء المشاهد الغليظة بلا رحمة.

640x c56c83b00b75cce0a2a67b24c3ae6a6328f3a26a8114bc797eb6f902bbe95f40  - الساعة الخامسة والعشرون
مشهد من فيلم غروب وشروق

ولأن الميهي مخرج بارع بدأ حياته الفنية سيناريست مع كمال الشيخ في فيلم “غروب وشروق” و”على من نطلق الرصاص” وغيرهما، يدرك أكثر من غيره من التجريبيين في السينما المصرية، ممن دقوا تحديدًا أبواب الفانتازيا، حقيقة أن المشاهد عمومًا والمصري خصوصًا لا يبتلع هذا التصنيف بيسر. يتمم الميهي لذلك الصفقة مع جمهوره بسرعة، يسحب المشاهد في الدقائق الخمس الأولى إلى أجواء الفيلم، يفصله تمامًا عن عالمه الواقعي، ويجلسه بين أبطاله غريبي الأطوار.

640x 5ada569a71f1623eb830cc58951f53e77fea5805f5de4cd4be1138acde62093d  - الساعة الخامسة والعشرون
بوستر فيلم على من نطلق الرصاص

مدرسة مصابة باللحمية، أخت مكبوتة جنسيًا لأن زواجها بزوجها على الورق معلق، ومراهق يُذكر والده دائمًا بحقيقة عمره، وأب لا يخلو من غرابة وطرافة، مجنون وذكي في نفس الوقت، يهوى السبانخ طعامًا وفلسفة. يخرجهم الميهي من جحرهم الصغير من جحور الإسكان الاجتماعي، التي كانت منتشرة وقتها بشكل كاريكاتيري، على طريقة البالية المائي. لكن رقصتهم لا تكون فوق مسارح الأوبرا الفخمة، إنما فوق صخور متراصة لعبور المشاة بين المجاري والقمامة.

عقب هذه الدقائق المعدودة، التي ينجح الميهي -مخرج ومؤلف الفيلم- خلالها في تقديم كل أبطاله الرئيسيين، يأتي فصل الارتكاز، مفتاح الحبكة، المرافعة الهزلية التي يفضح فيها الميهي واقع مصر بداية الثمانينات، بين انتهاء عالم قديم وبداية آخر، من خلال عكس حالته المزرية في مرافعة تحمل سؤال الفيلم الرئيسي “هل هناك قانون يا سادة يمنع الرقص؟” الجميع يرقص، فلماذا لا يرقص معهم حسن سبانخ وأسرته.

بين عالمي سليم أبو زيد ومصطفى محرم

اعتاد المصريون على طرح الجديد للقديم، فكي يكون النظام الجديد جديدًا عليه أن يصف النظام السابق بـ “النظام البائد”. فيلم “الأفوكاتو” المنتج عام 1983 جاء في حقبة تحول، إنهيار عالم عبد الناصر، والسرديات الكبرى، وصعود عصر السادات ومن خلفه حلم الثراء السريع. سارعت أقلام الأمر المباشر تكتب عن أسرار وخفايا سجون ناصر، وهذا إن كان حقيقي فلم يكن مجرد من مكاسب، ومعه مدح زمن الانفتاح وتفتيح المخ.

كان الميهي موضوعي في نقده، يقظًا لزمنه، راصدًا تحولاته، فلم يتورط في بكائيات جيله على زمن ناصر، زمن الممانعة والفخار القومي، كما لم يشارك في إهالة التراب عليه، ليوهم الجمهور بجمال العصر الحالي. إنما عرض أزمات المجتمع الجوهرية الممتدة تحت حكم العالمين، واختار لها قالب يبدو هزلي، بينما تختبئ في داخله رؤية فيلسوف اقترب فرأى.

استبصر “الأفوكاتو” المستقبل لدرجة مبهرة في وضوحها، هروب رمز النظام البائد، تحول كامل للدولة لتصبح لعبة هشة وصغيرة في يد قلة، أو كما يقول علي الشريف، الذي قام بدور الصول عبد الجبار “احنا خدامين لقمة عيشنا يا متر”. في حين لم يتبقى في يد الأغلبية من أبناء المجتمع المقهور، إلا أحلام السفر إلى ليبيا ودول الخليج، وادخار أموال تغنيهم عن الشقاء في بلادهم، أموال احتال عليها أمثال الريان والسعدي، الممثلَين في شخصية حسونة محرم، تاجر الأغذية الفاسدة.

زرع الرمزيات بيد فلاح خبير

وقوف الفيلم على الشعرة الفاصلة بين الهزل والجد جعل من الأداء مهمة مستحيلة، إلا أن الميهي استطاع تحريك ممثليه، وضبط توقيت جملهم بشكل موفق جدًا، فلا جملة متأخرة عن ميعادها أو متقدمة بلحظة. وربما اختياره عادل إمام لتجسيد الدور كان اختيار مثالي، لأن نقطة تميز الزعيم خلال مسيرته الفنية هي قدرته على الانتقال من الجد إلى الهزل بسلاسة في نفس المشهد. وجميع الممثلين في العمل وفقوا إما في تفعيل الكوميديا، أو عكس كوميديا عادل إمام ومضاعفة أثرها.

لكن أروع ما في العمل هي رمزياته المختبئة، في الحوار، في عمق الصورة، وفي “الفوكس”. رمزيات كثيرة لا يسعها معجم سينمائي كامل، لذلك سأذكر منها الرمزية الختامية، وهو مشهد ظهور دخان السيجار من خلف الصخرة التي يجلس بجوارها عبد الجبار، رمز الدولة، بعدما أشعل السيجار الذي تركه سليم أبو زيد رمز السلطة البائدة. كأنما يريد الميهي إطلاق إنذار مبكر، هناك حريق يشتعل أسفل أقدام الدولة، حريق يهددنا جميعًا بالموت الحتمي.

مرثية الميهي لوطنه وذاته

يفتنني الحوار في أي فيلم، الحوار الذكي، الملفت، والصادم في ذات الوقت. “الأفوكاتو” متخم بالحوارات الفلسفية المربكة، ورغم عمق معانيها إلا أنها فُصلت على مقاس وخلفية كل شخصية. حوار البطل مع السجان عبد الجبار، مع سليم أبو زيد، مع القضاة، مع حسونة محرم. إلا أن حوار واحد خفي هو ما صعقني بقوة عندما تبينت مراميه.

خلال الثلث الأخير من الفيلم  يدخل الزوج/ حسن سبانخ، والزوج/ عطية في حوار متوتر، تستشف منه أن الزوج هو رأفت الميهي نفسه، والزوجة هي مصر:

“انتي عارفة الناس بتخش سرايا المجانين ليه؟

– ليه؟

– عشان عايزين يفهموا كل حاجة حواليهم، عايزين يوزنوا كل حاجة بميزان العقل

– عشان كده دخلوا السرايا الصفرا 

– اسم الله عليكي.. أنا بقى معنديش استعداد أخش السرايا الصفرا.. صدقيني الدنيا مجنونة، وأنا مجنون، وانتي كمان مجنونة
– خليك في حالك انت
– يا سلام.. انتي عايزة تفهميني انك لما تقطفي ملوخية في الحصة ده شغل عاقلين.. سليم أبو زيد لما يعذب الناس ويقول إن ده لمصلحة الناس ده شغل عاقلين.. حسونة محرم لما ينهب البلد ويغرقها مخدرات وبعدين الجرايد تهلله ده شغل عاقلين!
– بقيت فيلسوف يا فالح 

– طول عمري فيلسوف بس انتي اللي حمارة، بس برضو بحبك.. وده برضو مش شغل عاقلين”

مهما اجتهدت في تطبيق نظرية سبانخ، زعيم الحياة الطبيعية، توجد لحظة تنهار فيها كل دفاعاتك، وتستسلم لمشاعرك، تحب ما لا يمكن حبه أبدًا بميزان العقل، وتأنف مما لا تأنفه حسابات المكسب والخسارة، لتجد نفسك أخيرًا منضمًا لرابطة “شغل غير العاقلين”.

اقرأ ايضًا:

محمد عمران .. فن الرسم بالصوت

Twelve angry men أو سينما من لا شيء

7 أفلام إنمي ليست للصغار فقط

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة