حول حقائق أخرى للأزمة المالية العالمية

صحافة و آراءمميزة
24 سبتمبر 2018آخر تحديث : منذ سنتين
حول حقائق أخرى للأزمة المالية العالمية

السيولة النقدية الهائلة والمكسب السريع، قادا لانتشار ظاهرة صناديق التحوط في أنحاء العالم، حتى باتت توصف بأنها مالكة الكون، إذ تسيطر على ثلث مداولات الأسهم، وبحوزتها أصول بقيمة 2 تريليون دولار (تريليون يساوي ألف مليار). في عام 2006 وصلت أجور بعض مدراء صناديق التحوط الرئيسية إلى مليار دولار.

تعمل هذه الصناديق على أساس الاقتراض من مؤسسات مالية كالبنوك بأسعار فائدة منخفضة، ثم تستثمر هذه الأموال مقابل فوائد مرتفعة وتربح من الفرق بين القيمتين، وهو ما يسمى “الرفع المالي”.

حول هذه الطريقة وتأثيرها على عولمة الأزمة، يكتب الخبير الاقتصادي كينيث روجوف في موقع “الاقتصادية” الالكتروني (13/9):
“إن صناديق التحوط اقترضت مئات مليارات الدولارات بأسعار فائدة منخفضة للغاية من اليابان، ثم استثمرت أرباحها في بلدان مثل البرازيل وتركيا، حيث أسعار الفائدة مرتفعة وطالما ظل الين ضعيفا فان هذه الاستراتيجية الاستثمارية ستظل تعمل وكأنها ماكينة نقود ولكن إذا ما ارتفع سعر الين بصورة حادة، كما قد يحدث بسهولة نظرا للفائض الهائل لدى اليابان في حسابها الجاري، فلسوف تتحمل بعض صناديق التحوط خسائر مالية فادحة وتنهار التجارة المحملة على الين بصورة عنيفة و”في كتابه الشهير “الجهاد في مواجهة ماكوورلد”، الذي أحدث ضجّـة كبرى في أمريكا، يرسم بنجامين باربر خطوط هذه الأزمة على النحو الآتي:
– الأصولية الرأسمالية (التي يسميها هو “ماكوورلد” تيمناً بإمبراطورية المأكولات السريعة)، التي انطلقت بعد نهاية الحرب الباردة.الرأسمالية المتعولمة لم تعُـد في حاجة إلى الدولة – الأمة.

وينسج الباحث الاقتصادي الأمريكي راستون سول جون، في دراسة شيِّـقة بعنوان “الديمقراطية والعولمة” على منوال باربر فيقول، إن أخطر ما شهده العالم خلال العقود الثلاثة الأخيرة، هو نجاح الإعلام الأمريكي الذي تُـسيطر عليه الشركات، بتصوير الاقتصاد على أنه قائد المجتمعات، كل المجتمعات، وهذا كان، برأيه، تمهيداً لانقلابات كُـبرى في بنية النظام الرأسمالي. فبعدها سادت الاحتكارات وانعدم التنافس وسيطرت الاوليغارشيات المالية، بعد إن استغلت الشركات الكبرى شعار الاقتصاد كقائد للقيام بأضخم مركزة لرأس المال في التاريخ البشري عبر عمليات الدمج والضم والابتلاع. وفي الوقت نفسه، كان أرباب النظام الرأسمالي يتوقَّـفون على أنهم “رأسماليين حقيقيين”، فهم يتشكلون الآن من التكنوقراطيين والبيروقراطيين والمدراء والموظفين، وهؤلاء جميعاً لا يملكون أية أسهم ولا يقدِمون على أية مخاطر . الأسهم الوحيدة التي يملكون، هي تلك التي يحصلون عليها مجّـاناً من الشركات أو عبر استعارة المال من هذه الشركات بدون فوائد.

كل هذه الفئات لا تُـعتبر رأسمالية حقيقية، بل هي بيروقراطية كسولة وكبيرة ومُكلفة، وهي أقرب ما تكون إلى دراكولا مصّـاص الدماء، إذ هي تشتري الشركات الرأسمالية الحقيقية التي لها مالِـكين حقيقيين، الذين لديهم أسهم ويقومون بمخاطر مالية، وبعدها تبدأ هذه الفئات بمصّ دماء هذه الشركات. وفي خِـضم هذه العملية، تتوقّـف الاقتصادات عن التطور وتنهار الاقتصادات المختلطة، لأن الشركات العملاقة تشتري شركاتها في وقت مبكّـر، وهذه العملية، إضافة إلى فساد طبقة المدراء – البيروقراطيين، هما الآن سبب كل من الأزمة الرأسمالية والأزمة الديمقراطية راهناً ، الأرقام تدعم تماما مخاوف بنجامين باربر وشكاوى راستون سول جون:
– فهناك الآن خمس شركات عملاقة تُـسيطر على 50% من الأسواق العالمية في مجالات صناعات الفضاء والمكونات الإلكترونية والسيارات والطائرات المدنية والفولاذ والالكترونيات.
– وهناك خمس شركات أخرى، تسيطر على 70% من السلع الاستهلاكية ذات الديمومة.
– وثمة خمس شركات غيرها تهيمن على 40% من النفط والعقول الإلكترونية الخاصة والإعلام، و51% من أكبر الاقتصادات في العالم اليوم، هي شركات لا دُول.
– ومبيعات 200 شركة، تمثّل 28،3% من الإنتاج الخام العالمي.

كل هذه الأرقام تعني ببساطة، أن السوق العالمي الموحّـد ومعه القرية العالمية وحتى مفهوم الحضارة العالمية الواحدة، سيكون عمّـا قريب “مِـلكية خاصة” لحفنة من البشر قد لا يتجاوز عددهم عدد مجالس الإدارة في واحدة من الشركات الخمس المذكورة أعلاه ويحقق ما يمكن تسمية بالليبرالية الاستعمارية فى أرجاء العالم تفيذا للمخططات الاستعمارية الأمريكية والغربية . وتكشف نعومي كلاين كاتبة صحفية كندية ومخرجة أفلام وثائقية في كتابها ‘‏عقيدة الصدمة‏..‏ الرأسمالية الكارثة‏’‏ كيف يسيطر الليبراليون الجدد في واشنطن علي العالم وكيف يفرضون رغباتهم علي الدول من خلال استغلال التهديدات الإرهابية الموجهة ضد الأمن ومن خلال اختلاق الإضطرابات السياسية والاقتصادية أو مواكبة الكوارث الطبيعية وذلك بهدف نشر وتوسيع الخصخصة وتطبيق المزيد من السياسات التي تدعم حرية الأسواق تلك الأزمات من شأنها أن تترك المنطقة في حالة دمار كامل فتدخل الشركات في قلب المنطقة المنكوبة وتأخذ الأمور في يدها وتحولها إلي أحد كبري المشاريع لحساب الأثرياء علي حساب الفقراء‏ ـ وفى خضم ذلك سعت السلطة الحاكمة المصرية مباشرة ما بعد ثورة 25 يناير المصرية مباشرة للاستدانة المليارات من الغرب الاستعمارى، وتحت مسميات حقوق الإنسان والحريات والديمقراطية وبمعاونة النخب العميلة للغرب تحقق الليبرالية الاستعمارية ـ فقد أشار “روبرت زوليك” رئيس البنك الدولي إلى أن الفقراء في البلدان النامية لا يتوفر لديهم سوى أقل القليل من السبل لحماية أنفسهم ضد الآثار الناجمة عن هذه الأزمة.

“ففي لندن وواشنطن وباريس، يتحدث الناس عن ما إذا كانوا سيحصلون على مكافآت من عدمه، إلا أن الأمر يختلف تماماً في أجزاء من مناطق أفريقيا وجنوب آسيا وأمريكا اللاتينية، حيث تدور المعركة حول ما إذا كان الناس سيحصلون على الطعام من عدمه” فالأزمة إذاً أسهمت في توسيع هوة الفقر في العالم, وخصوصاً في البلدان النامية، أو أن تختلق الرأسمالية الكبرى الأزمات مثلما حدث في بعض دول أمريكا اللاتينية فتثير الاضطرابات أو التمرد أو تؤجج الحروب ووسط الفوضي وبينما الشعوب في حالة عدم توازن تبدأ الشركات والمؤسسات الكبري تتدخل لتسيطر وتحول الوضع لصالحها وصالح الرأسمالية بدون أية معارضة من الشعب‏.‏ تلك الرأسمالية تصفها كلاين بالكارثة لأنها تضحي بالشعوب من اجل الربح وتذكر كلاين قول مارجريت ثاتشر التي دعمت تلك السياسة في الثمانينات بأنه‏:‏ ليس هناك بديل آخر‏.‏

وهكذا الأزمة المالية الحالية هي نتيجة للتوسع غير المنضبط في القطاع المالي في الولايات المتحدة ومن ورائه في بقية دول العالم المتقدم، هى من صنع البشر، وليس أدل على ذلك من تصريح رئيس لجنة التنمية فى البنك الدولى فى مؤتمر صحفى واصفا ما يجرى بقوله “إن مايحدث هو كارثة إنسانية من صنع الإنسان ” ( الأهرام 14ـ 10 -2008) ولا يمكن تحميل الأدوات التكنولوجية الهائلة والمتقدمة والفائقة والعملاقة والأحدث والمستخدمة فى البورصات العالمية ، هذه الكارثة وماخلفته من دمار طال الإنسان، فالكارثة تعبرعن رغبات واختيارات وأفعال وثقافة وفكرعميق وممتد عبر سنوات طويلة وأجيال عديدة ، تتجاوز التكنولوجيا تجاوزا تاما ، بل يمكن القول كما قال رايموند ويليامز أن ” التكنولوجيا متوائمة “، مع مجمل النظام الرأسمالى العالمى وأطماعه فى تدمير الآخرين والسيطرة على مقدراتهم كلما استطاعت قواه ذلك من خلال سعيها الحثيث إلى السيطرة.

لمطالعة المقال الأول في السلسلة من هنا: الواقع العالمي

ولمطالعة المقال الثاني من هنا: المعطيات الجديدة في هذا الكوكب

ولمطالعة المقال الثالث من هنا: تحطيم المقاومة ضد أية هيمنة غربية

ولمطالعة المقال الرابع من هنا: حقائق الهيمنة الاستعمارية

ولمطالعة المقال الخامس من هنا: حقائق الأزمة المالية العالمية

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.