الحب بين الولع واللهفة والمصيبة

ثقافةمميزة
17 مارس 2020آخر تحديث : الثلاثاء 17 مارس 2020 - 9:53 مساءً
الحب بين الولع واللهفة والمصيبة

الحب بين الولع واللهفة والمصيبة .. بالنسبة للحب الشخصى فيمكن أن يقال أنَّ الناس يحبون الأشياء والمبادئ والأهداف التي يؤمنون أو يلتزمون بها بشدَّة ، ومن هنا يبرز حب المنتمين لهذه المبادئ والأهداف والعاملين في سبيل تحقيقها وهذا مثال عن الإيثار والحب غير الشخصي الناتج عن القناعات الدينيَّة والسياسيَّة والفكرية القوية (1) ، ويمكن للبشر أيضاً أن يحبِّوا الأشياء الماديَّة والجمادات والحيوانات وقد يصل الأمر للشغف الجنسي بهذه الأشياء وهو ما يعرف بالبارافيليا في علم النفس (2) ، من الأمثلة الشائعة أيضاً أنَّ البشر يحبون الحياة بحد ذاتها .

وكما يكشف الأساس البيولوجى للحب البيولوجي إلى اعتبار الحب أو الجنس حاجة ضرورية للحيوانات مثل الحاجات الأساسية الأخرى كالجوع والعطش (3)  ، وتقسم عالمة السلوك البشري هيلين فيشر شعور الحب إلى ثلاث مراحل متداخلة : الشهوة والانجذاب والتعلُّق ، الشهوة هي الشعور بالرغبة الجنسية أمَّا الانجذاب فهو تحديد واختيار الشركاء الذين يبدون مناسبين والتعلَّق هو قضاء الوقت والاقتراب من الشريك المختار وما ينتج عن ذلك من مشاعر السلامة والأمان (4) ، ويُعتقد أنَّ النواقل العصبية في الجسم تلعب الدور الأساسي في الأنماط السلوكية الثلاثة سابقة الذكر (5) .

إنَّ الشهوة الجنسيَّة هي المُحرِّض العاطفي الاساسي الذي يشجع على التزاوج ، وأثناء حدوثها يتمُّ إطلاق العديد من المواد الكيميائيَّة الهامة “هرمونات” مثل التستسترون والأستروجين وعادةً ما تدوم تأثيرات هذه الهرمونات لفترات زمنية قصيرة لا تتجاوز بضعة أسابيع ، أشارات العديد من الدراسات الحديثة إلى أنَّ الدماغ البشري ينتج العديد من النواقل العصبية الكيميائية أثناء فترة الحب مثل الدوبامين والنورإبينفرين والسيروتونين ، هذه النواقل العصبية تُحفِّز مراكز المتعة في الدماغ بصورة مشابهة لما تفعله بعض العقاقير المُنشِّطة مثل الأمفيتامين ، من التاثيرات الجانبية لهذه النواقل العصبية زيادة معدل ضربات القلب وفقدان الشهية للطعام وقلة النوم وقد تستمر هذه المرحلة لعدة سنوات في بعض الحالات (6) .

عموماً تعتبر مرحلتا الشهوة والانجذاب قصيرتان نسبيَّاً ومؤقتتين وهنا تبرز الحاجة إلى مرحلة ثالثة طويلة الأمد تعزِّز العلاقات الدائمة لسنوات أو عقود وهذه المرحلة هي التعلُّق ، يعتمد التعلُّق بشكل عام على التزامات مثل الزواج والأطفال أو على الصداقة المبنيَّة على أساس الاهتمامات المشتركة ، وقد تمَّ ربط التعلُّق بوجود مستويات أعلى من بعض المواد الكيميائية كالأوكسيتوسين والفازوبريسين بشكل أكبر من العلاقات قصيرة الأمد (7) ، في إحدى الدراسات ذكر إنزو إيمانويل وزملاؤه أنَّ عامل النمو العصبي NGF يوجد بمستويات عالية عندما يقع الناس في الحب لأول مرة، ولكنَّه يعود إلى مستوياته الطبيعية السابقة بعد عام واحد تقريباً (8) .

وتؤكد دراسات علم الأعصاب الحديثة وكهرباء الدماغ أن الافتتان يؤثر بقوة في مناطق الدماغ البشري المسئولة عن الغرائز ، مما يشير إلى أن “الشعور” ، الذي يشار إليه عمومًا باسم الحب ( بمعنى الولع أو لهفة الحب الأولى ) في ارتباطه الكيميايئ الحيويي ، لديه اتصال قوي مع الغرائز البيولوجية .

في بعض الأحيان تدوم الآثار التي تترافق في الغالب مع الحب ( الولع ، اللهفة ، الافتتان ) أيضًا على عمليات الغدد الصم العصبية التي تكمن وراء هذه الظاهرة وتشكل أصلها ، والتي يجب البحث عنها في النشاط الجنسي ، والذي بدوره يخضع بشكل كبير للسيطرة على الغدد الصم العصبية في الدماغ البيني ، أخيرًا وليس آخرًا ، تلعب المواد الأفيونية الداخلية للفص النخامي دورًا في هذا المجال ، فإذا وقع شخص ما في الحب ، تسبب العديد من أشباه الكيميائيات (semiochemical ) في الشعور بالابتهاج (الدوبامين) والإنفعال والإستثارة (الأدرينالين) ومشاعر السعادة والغبطة العميقة (الإندورفين والكورتيزول) بالإضافة إلى زيادة الرغبة الجنسية (نقص هرمون التستوستيرون في الرجال ، زيادة فى النساء) بالمقابل ، الأوقات التي لا يكون المرء مع الشخص المحبوب يمكن أن تشعر بأنها مؤلمة للغاية لدرجة اليأس ، كذلك تُفرز العطور الجنسية) الفيرومونات) بشكل متزايد ، من ناحية أخرى ، ينخفض مستوى السيروتونين بشكل حاد ، مما يجعل حالة الوقوع في الحب عند هذه النقطة مشابهة للعديد من الاضطرابات النفسية ، هذا يساهم في كون العشاق في حالة تشبه حالة كون الإنسان “ليس في كامل قواه العقلية” مؤقتًا ويمكنه القيام بأفعال غير عقلانية ومتهورة ، بعد مرور بعض الوقت (بضعة أشهر) ، يعتاد الجسم على هذه الجرعات وبالتدريج (وفقًا لمنظمة الصحة العالمية بحد أقصى بعد 24 إلى 36 شهرًا) ينهي الدماغ  حالة الــ “تسمم الحس” هذه  .

وتتعامل دراسات علم النفس الحديثة مع الحب كظاهرة اجتماعية ، فقد صاغ عالم النفس روبرت ستيرنبرغ نظرية تقول بأنَّ الحب يرتكز على ثلاثة مكونات مختلفة : ـــ الارتباط والعلاقة الحميميَّة ، الالتزام ، الانجذاب الجنسي والعاطفي ، في العلاقة الحميمة يتقاسم الشريكان في الثقة وتفاصيل الحياة الشخصية المختلفة ، أمَّا الالتزام هو محاولة استمرار العلاقة وديمومتها ، إنَّ أي نوع من أنواع الحب يجب أن يشمل واحداً من المكونات الثلاثة السابقة على الأقل (9) .

وقد تمَّ تطوير العديد من النظريَّات التي تُفسِّر العلاقات والترابط بين البشر في السنوات الأخيرة، البعض يقسم الناس لنوعين النرجسيِّين أو المتميِّزين بالإيثار، بدوره يؤكِّد الباحث في علم النفس التطبيقي سكوت بيك في أعماله أنَّ الحب هو الاهتمام بالجانب الروحي للشريك ويصف الحب بأنَّه عمل أو نشاط وليس مجرَّد شعور (10) (11) . وكذلك فعل عالم النفس إيريك فروم في كتابه “فن المحبة” عندما أكَّد أنَّ الحب هو أفعال وليس شعور سطحي مجرَّد، لأنَّ المشاعر الناتجة عن الحب تدفع المرء للالتزام بسلسلة من الأفعال (12) ، وفي النهاية يخلص فروم إلى أنَّ الحب ليس شعور بل هو التزام ، ويصف فروم الحب بأنَّه اختيار إرادي واعي رغم أنَّه قد ينشأ في مراحله الباكرة كشعور غير إرادي ولكن مع استمرار الحب وتطوره سيعتمد على الالتزام الواعي الإرادي ولن يعتمد على المشاعر فقط (13) .

وفسر علم النفس التطوري الحب كوسيلة للبقاء فالبشر يعتمدون على مساعدة الوالدين لفترة أطول من أعمارهم مقارنة بالثدييات الأخرى وهنا يمكن اعتبار الحب بمثابة آلية لتعزيز واستمرار دعم الوالدين للطفل لهذه الفترة الزمنية الطويلة ، حتى تشارلز داروين نفسه حدَّد خصائص فريدة للحب البشري مقارنة بالثدييات والكائنات الأخرى وأكَّد أنَّ الحب عامل رئيسي في دعم النظام الاجتماعي البشري الذي مكَّن من تطوُّر وسيطرة النوع البشري (14) ، ومن العوامل الهامة التي يجب ذكرها هنا أنَّ الأمراض المنقولة بالجنس بين البشر تُسبِّب انخفاض الخصوبة وأذيَّات للجنين وزيادة المضاعفات أثناء الولادة وهذا كلُّه يدعم العلاقات الأحادية بين البشر على تعدُّد الزوجات (15) .

وترجع أهمية الحب إلى أنه هو أساس الحياة، ولا يمكن أن تستمر المجتمعات البشرية بدون هذا المحرك ، لأنها ببساطةٍ سوف تتحول إلى غابةٍ تحكمها.

وتؤكد نظريات علم النفس على مدى أهمية الحب في حياة الإنسان وأنه احتياج إنسانى لاغنى عنه ، فهو السبيل للوصول لحالة من التوازن النفسى ، فالحب يكون بمثابة الدرع الواقى من متاعب الإنسان النفسية المتمثلة في دائرة القلق والضياع والاكتئاب ، وقد وضع عالم النفس الشهير “ماسلو” ما يسمى بهرم بناء الشخصية ، حيث أكد على أهمية تلبية احتياجات الإنسان الأولية من طعام و شراب ، قبل أن نصعد إلى درجة أعلى وهى تلبية احتياجاته العاطفية ورغباته في تأكيد ذاته (17) .

ومن أجمل ما قاله برنارد شو: “الحب يستأذن المرأة في أن يدخل قلبها ، وأما الرجل فإنه يقتحم قلبه دون استئذان، وهذه هي مصيبتنا” .

المراجع :

  1. Love   . PediaPress.
  2. Leibniz، “Confessio philosophi”. Wikisource edition.  March 2009.
  3. What is love?. In The Book of Real Answers  Griffith, J. 2011. (  https://archive.org/web/.
  4. Fromm, Erich; The Art of Loving, Harper Perennial (September 2000), Original English Version, (
  5. “Paraphilia”.   December 2007
  6. Lewis، Thomas؛ Amini, F.؛ Lannon, R. (2000). A General Theory of Love. Random House
  7. . Defining the Brain Systems of Lust, Romantic Attraction, and Attachment by Fisher et. al
  8. Winston، Robert (2004). Human.
  9. Emanuele, E.؛ Polliti, P.؛ Bianchi, M.؛ Minoretti, P.؛ Bertona, M.؛ Geroldi, D. (2005. Psychoneuroendocrinology. 31 (3)
  10. Sternberg، J. (1986). “A triangular theory of love”. Psychological (
  11. Rubin، Zick (1970). “Measurement of Romantic Love”. Journal of Personality and Social Psychology.  ا. CiteSeerX  .
  12. Rubin، Zick (1973). Liking and Loving: an invitation to social psychology. New York: Holt, Rinehart & Winston.
  13. Berscheid، Ellen؛ Walster, Elaine H. (1969).Interpersonal Attraction. Addison-Wesley Publishing Co.
  14. Peck، Scott (1978). The Road Less Traveled. Simon & Schuster..
  15. Loye، David S. (2000). Darwin’s Lost Theory of Love: A Healing Vision for the 21st Century. iUniverse..
  16. “أحمد التومي يكتب: ‘أهمية الحب وأنواعه ‘ ” ((طبعة الإنجليزية) نوفمبر 2018.
  17. “خبيرة التنمية البشرية رانيا المريا تكتب عن: أهمية الحب – اليوم السابع”. اليوم السابع. 24 سبتمبر 2012

 

المراجع الإضافية :ـ

1 ــ الرسالة القشيرية ـ القاضى زكريا بن محمد الأنصارى ، دار جوامع الكلم ، القاهرة ،  ص 144 .

2 ـــ , Acevedo، BP، Aron A.، Fisher، H. E، & Brown،L. (2012). Neurological association of intense long-term romantic love. Cognitive and emotional social neuroscience.

3 ــ .Aron، A.، Norman، CC، Aron، EN، McKenna، C.، & Heyman، R. (2000) Couples share, arouse and quality relationship with experience and relationships, Journal of Personality and Social Psychology

4ــ .Barbara، L. Frederickson (2013) Love 2.0:  How our supreme feeling affects everything we feel, think, do, and cry. Hudson Street Press.

5 ــ الموسوعة الفلسفية العربية ، المجلد الأول ، معهد الإنماء العربى .

6 ـــ معجم لسان العرب لإبن  منظور ، دار المعارف .

7 ـــ  مختار الصحاح ، محمد عبد القادر الرازى ، المطبعة الأميرية ، القاهرة ، الطبعة السابعة .

موضوعات تهمك:

بيولوجيا الحب

الحب قوة دافعة للديمقراطية والسياسة

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة